ابن عبد البر

252

الدرر في اختصار المغازي والسير

واستعمل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع النّصرى على من أسلم من قومه من قبائل قيس . وأمره بمغاورة « 1 » ثقيف ، ففعل ، وضيّق عليهم . وحسن إسلامه وإسلام المؤلفة قلوبهم حاشا عيينة بن حصن ، فلم يزل مغموزا عليه . وسائر المؤلفة قلوبهم منهم الخيّر الفاضل المجمع على خيره كالحارث بن هشام ، وحكيم ابن حزام ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو . ومنهم دون هؤلاء . وقد فضّل اللّه النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض ، وهو أعلم بهم . ثم انصرف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وتفرّقوا . وأقام الحج للناس عتّاب بن أسيد في تلك السنة « 2 » ، وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام . وحجّ المشركون على مشاعرهم . وكان عتّاب بن أسيد خيّرا فاضلا ورعا . وقدم كعب بن زهير بن أبي سلمى على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مسلما ، وامتدحه ، وقام على رأسه بقصيدته التي أولها : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول « 3 » . وأنشدها إلى آخرها ، وذكر فيها المهاجرين فأثنى عليهم . وكان قبل ذلك حفظ له هجاء في النبيّ عليه السلام ، فعاب عليه الأنصار إذ لم يذكرهم ، فغدا على النبيّ - عليه السلام - بقصيدة / يمدح فيها الأنصار « 4 » . وقبل النبيّ - عليه السلام - إسلامه وسمع شعره وأثابه « 5 » .

--> ( 1 ) مغاورة ، يقصد الإغارة عليها تلو الإغارة . ( 2 ) وهي السنة الثامنة للهجرة . ( 3 ) بانت : بعدت - متبول : أسقمه الحب وأضناه . ( 4 ) انظر القصيدة في ديوانه ( طبع دار الكتب المصرية ) ص 6 . ( 5 ) انظر قصة اسلامه وثواب الرسول له في ابن هشام 4 / 144 .